يوسف بن محمد البلوي المالقي ( ابن الشيخ )

335

كتاب ألف باء ( في أنواع الآداب وفنون المحاضرات واللغة )

سلط الموت والمنون عليهم * فلهم في صدا المقابر هام وقال غيره كانت العرب تقول : إن القتيل إذا لم يطلب بثأره خرج من رأسه هامة ؛ وهو الصدا ، وهو البوم ، فلا يزال يصيح : اسقوني ، حتى يطلب بثأره ، فإذا أخذ بثأره سكت . ومنه قول الراجز : يا عمرو إن لا تدع شتمي ومنقصتي * أضربك حيث تقول الهامة اسقوني يريد رأسه . فأكذبهم النبي صلى اللّه عليه وسلم وأبطل ذلك كله من قولهم . ومنه قولهم : فلان هامة اليوم أو غد ، يريدون : أنه يموت فيصير هامة . وتقدّم قول يزيد في حياته : وكل خليل زارني فهو قائل * من أجلك هذا هامة اليوم أو غد في باب الراء . ويأتي : أعاذل إن يصبح صداي بقفرة في باب النون بعد هذا إن شاء اللّه تعالى . ومن أغرب ما روي في الصدا ، ما رواه أبو علي من أن ليلى الأخيلية - وهي ليلى بنت عبد اللّه بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة يلقب الأخيل - مرت مع زوجها في بعض نجعهم بالموضع الذي فيه قبر توبة بن الحمير ، وكانت متزوجة في بني الأدلع بن عبادة بن عقيل ، فقال لها زوجها : لا بد أن أعرّج بك إلى قبر توبة كي تسلمي عليه حتى أرى هل يجيب صداه كما زعم حيث يقول : ولو أن ليلى الأخليلية سلمت * عليّ ودوني تربة وصفائح لسلمت تسليم البشاشة أو زقى * إليها صدا من جانب القبر صائح فقالت له : وما تريد من رمة وأحجار ؟ . فقال : لا بدّ من ذلك ، فعدل بها عن الطريق إلى القبر ، وذلك في يوم قائظ ، فلما دنت راحلتها من القبر ورفعت صوتها بالسلام عليه ، إذا بطائر قد استظل بحجارة القبر من فيح الهاجرة ، فطار فنفرت راحلتها فوقصتها فماتت ، وكان ذلك من الصدا الذي يزقو إليها من جانب القبر ، انتهى كلامه . قلت : وحديث توبة وليلى مشهور في كتب الأدب مذكور ، وفي هذا الخبر ما يحقق ويصدّق أنّ البلاء موكل بالمنطق ، كما يروى أنّ أحد المولعين بالخمر قال : إذا ما فادفني إلى جنب كرمة * تروّي عظامي في الممات عروقها ولا تدفنوني في الفلاة فإنني * أخاف إذا ما مت أن لا أذوقها وهذا القائل أيضا مشهور . قال الذي روى عنه : مررت بقبره بعد أن مات فإذا قد نبت عليه عريش عنب ، فتعجبت من ذلك .